الشيخ محمد الصادقي الطهراني

314

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

ولأنه « وما النصر إلا من عند اللَّه العزيز الحكيم » فسلب النصر من عنده سلب لمطلق النصر ، وهكذا يخاطبون بعد غياب من ذكراهم ليكون أوقع في استيحاشهم تقريعاً لهم وقطعاً لآماهم فإنه : « قَدْ كانَتْ آياتي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ » ( 23 : 66 ) . « قد كانت » مؤكَّدة متواترة بينة « آياتي » المذكرة لكم عن غمرتكم « تتلى عليكم » ليل نهار « فكنتم » على طول خطها « على أعقابكم » آباءكم الأولين ، وأعقابكم أنفسكم مدبرين « تنكصون » ، رجوع القهقري ، ومرتجفين إلى جهال وجهالات ، مسامحين عما عندهم من عقول وذكريات : « مُسْتَكْبِرينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ » ( 23 : 67 ) . « مستكبرين » عن سماع الآيات ، أم إذا سمعتهم فعن تدبرها والاعتبار بها « سامراً » : متحدثاً بالليل ، ليلة الجهالة والشهوة ، ليلة الحيونة والاستكبار ، ليلة التقاليد العمياء ، دون ضوء من الأضواء آفاقية وأنفسية ، حاجزاً آفاقية وأنفسية ، حال انكم « تهجرون » هذياناً هاجراً للحق ، حاجزاً عما يحق ان يسمع ويطبق ، مطلقون ألسنتكم بهجر القول وفحشه وأنتم محلِّقون - حول أصنامكم في سامركم - بالكعبة . فلقد كان هؤلاء يرمون الرسول صلى الله عليه وآله في ظلام ، ويطلقون ألسنتهم بهجر القول وفحشه في نواديهم ، وهنا القرآن لما يجأرون يذكرهم بسمرهم الفاحش وهجرهم الطائش في الليل الأليل الدجى ، بهراء هم الهجى . « أَ فَلَمْ يَدّبّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ اْلأَوّلينَ » ( 23 : 68 ) . « أ » سمعوا « فلم يدبروا القول » حتى يعرفوا حقه الرسالي « أم » اعرضوا عنه لأنه اتى « مالم يأت آباءهم الاوَّلين » ؟ وقد أتاهم نفس ما أتاهم وزيادة ، فما هو بدعاً من الرسل ولا قوله الرسالي بدع من القول ! وهم محجوجون ان لم يدَّبَّروا حيث أنكروا رميةً في ظلام ، ومحجوجون ان تدبروا وأنكروا بحجة انه اتى مالم يأت آباءهم الأولين وقد اتى !